مسرح “بوتغوة”.. عندما يفعل القبائل ما لم يفعله المسؤولون

شيده سكان "أيت عيسى" في بجاية بأموالهم الخاصة..

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

لا تزال عمليات التويزة أو “ثيويزي” قائمة لدى سكان المجتمع القبائلي إلى يومنا هذا، حيث يتضامن جميع سكان القرية أو الحي لإنجاز مهمة تخدم الصالح العام، تصعب على الفرد الواحد، بل أحيانا حتى على السلطات المحلية، التي هي من المفروض أن تتكفل بها.

تجنّد، سكان قرية “آيت عيسى”، بأوقاس، شرق بجاية، لبناء مسرح روماني على الهواء الطلق يتّسع لـ350 مقعدا في آجال لا تتعدى 4 أشهر فقط وبمُساهمة مالية لمتطوعين، وشارك في بنائه الشباب والنساء وحتى الأطفال.

التويزة تجمع أهالي آيت عيسى..

قد يصعب على زائر قرية آيت عيسى، بأوقاس، في بجاية، أن يصدّق أن مسرحا رومانيا يشابه لحد بعيد المسارح التي شيّدها الرومان في الجزائر، بناه أبناء القرية من محسنون ومتطوعون بمالهم الخاص، فباشروا عملية تطوعية سرعان ما صدح صداها حتى خارج القرية وولايتها، فانخرط محسنون في مساعدة هؤلاء، وهنا يقول، إبراهيم جباري، المكلف بالاتصال على مستوى المشروع، إن: “المشروع انخرط فيه كل المحسنين من القرية وخارجها بمقدورهم، فمنهم من تطوّع بالمال ومنهم من شارك بمواد البناء، وهناك أيضا من أبناء المنطقة من أرسل مساعدات من أوروبا وكندا..”.
كما يضيف، جباري، في حديث مع “الجزائر بوست”، أن المشروع، الذي كلّف مبلغا يضاهي الـ80 مليون سنتيم فقط، استلزم تنظيم 32 مبادرة ترويجية له، ويشير إلى أن مكتب الدراسات “سعدي” من أوقاس، هو من تكفل بعملية دراسة المشروع وأرضيته، وسلّم المخطط لأبناء الحي، وهنا كان لا بد من يد عاملة مختصة، إلا أن ذلك لم يكن عائقا، بحسب جباري، فقد تطوع جميع المختصين في أشغال البناء حتى من خارج الولاية، كل في اختصاصه، بالمساهمة في هذا المشروع وانجاحه.
ويقول، محدثانا، إن بعض المراحل من البناء كانت تستدعي يدا عاملة مكثفة، فكانت العملية تتم على شكل حملة تطوعية أو ما يعرف بالمنطقة بـ “التويزة”، إذ شارك فيها مواطنون من القرى والبلديات المجاورة وهو ما عجّل بإتمام المشروع.

المرأة في الصفوف الأولى

تحتفظ العديد من المناطق القبائلية بعادات وتقاليد حافظت على رسوخها وتجذرها، ولم تؤثر فيها تبعات الزمن والتطور التكنولوجي، فمع كل “تويزة”، أو خدمة جماعية، نجد المرأة القبائلية في الصف الأول للمتطوعين، حيث أكد، جباري، أن نساء قرية آيت عيسى، شاركن في انجاز هذا المشروع بكل الطرق، فمنهن من قدّمت مأكولات للعمال، أين كانت النسوة تحضّر مختلف الأطباق وتقوم بإحضارها لمكان العمل.
كما أردف، أن هناك من حملت التراب ونظفت محيط المسرح كل مساء، إضافة إلى مشاركتهن حتى في البناء.

من مكتبة إلى مسرح روماني.. الحكاية الأولى

يروي، أحد أعيان المنطقة، أن قرية آيت عيسى، بأوقاس، المعروفة بتضاريسها الوعرة، كانت منطقة مهجورة، ولا تعرف إلا ببعض البيوت المتراصة في شكل البناء القبائلي، غير أن عزيمة أبناء القرية وكبارها استطاعت أن تكسر تضاريسها وسكونها، من خلال بناء مكتبة للم شمل شباب الضاحية، وكذا تخصيص غرف للمراجعة وتدعيم المكتبة بكتب قيّمة.
ويواصل، المتحدث في العودة إلى تاريخ المنطقة، حيث قال بأن “القطعة الأرضية التي شيّد فوقها المسرح اليوم كانت عبارة عن غابة صغيرة غرسها السكان، بعد أن تحوّلت إلى ملك عام سنة 1985، وكانت تحتضن نشاطات ثقافية كل صائفة تجمع أبناء القرية..”.
كما أشار ابراهيم جباري، المكلف بالاتصال على مستوى المشروع، أن المكتبة، التي جسدت، سنة 1989، تحولت إلى مكان يلتقي فيه أبناء المنطقة، سيما بعد تدعيمها بمرافق كملعب ومحل ومسرح صغير يلجأ إليه الشباب لممارسة هواياتهم المتعددة، وبعد أن كبرت الفكرة رأى السكان أن تتدعم بمسرح روماني يناسب وعورة القطعة الأرضية، وهنا كانت البداية، يتابع: “فبعد الايمان بالمشروع اقترحنا تنظيم حفلات كل جمعة ومن خلالها يتم الترويج للمشروع وجمع المال لبنائه”.
فكان، أول عرض يحضره أبناء المنطقة، للترويج للّبنة الأولى للمسرح، الذي أطلق عليه اسم “بوتغوة” (الأرض الخصبة بالأمازيغية) في نوفمبر 2016، حيث نظمت الجمعية التطوعية “تادوكلي” آيت عيسى، حفلا فنيا أحياه الفنان القبائلي المغترب “زاين” وبحضور مغني إيطالي، الأخير الذي أنبهر بالفكرة وأعطى رأيه في التصميم الايطالي للمسارح، باعتباره ابن مدينة روما مهد الحضارة الرومانية المعروفة بتصاميمها العالمية.

الفرجة يصنعها عشاق الفن

كسرت، حفلات مسرح “بوتغوة”، هدوء وسكينة، قرية آيت علي، بأوقاس، فاستطاع الأخير، وفي ظرف وجيز، أن يخصص برنامجا ثريا خلال هذه الصائفة، وهذا الإثراء الذي جسدته مجموعة من ألمع الفنانين المحليين والمسرحيين، الذين يقصدون القرية من ولايات مجاورة أمثال فرقة “إيعكورن”، “إفرحونن”، “أميزور” وكذا احياء مونولوج من الولاية بجاية.
وذكر، ابراهيم جباري، المكلف بالاتصال على مستوى المشروع، أن القرية تحولت إلى مقصد لعشرات المثقفين والفنانين والمبدعين في مختلف المجالات الفكرية والثقافية والفنية، كما أثار المسرح وتصميمه إعجاب كل الفنانين والزوار الذين يقصدونه من كل أنحاء الولايات،
كما استحسنت، العائلات التي تحدثت لــ “”، توقيت انطلاق العروض التي تبرمج في السهرات الليلية، فتقول عائلة “محمد.ب” أنها: “لا يمكن التأخر على عروض المسرح المقامة بالصرح، فهو من المتعطّشين لهذا الطابع الفني”.
وبخصوص، الأموال الموجهة للفنانين في الحفلات، قال جباري، “القائمون على مسرح بوتغوة لا يمكنهم دفع المستحقات لهؤلاء، وجل المشاركين في السهرات لا يتقاضون أجورا بل يقدمون عروضا بالمجان”، داعيا “السلطات المحلية إلى المشاركة في تدعيم المسرح من خلال تخصيص ميزانية للفنانين”.

سمير . ب

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.

قد يعجبك ايضا

اترك تعليقا